السيد البجنوردي

49

منتهى الأصول ( طبع جديد )

وبعبارة أخرى : المسند فيه مقدّر ؛ لأنّ زيدا فيه مسند إليه كما هو واضح فلنفرض المقدّر - كما قال النحويون - كلمة « أدعو » ، فحينئذ نقول للدعوة نسبة صدورية إلى المتكلّم بهذا الكلام تكون مدلولة لهيئة أدعو ، ونسبة المدعوية إلى طرفه ؛ أعني زيدا في المثال والدالّ على هذه النسبة هي كلمة « يا » . ولا شكّ في أنّ المتكلّم إذا أراد أن يلقي كلاما إلى الطرف فلا بدّ له من أن يتصوّر أجزاء الكلام بما لها من النسب والارتباطات حتّى تكون الجملة الملفوظة مطابقة للجملة المعقولة . غاية الأمر قد يكون بصدد الإخبار عن ثبوت هذه النسب في موطنها من الذهن أو عالم الاعتبار أو الخارج فتسمّى جملة خبرية ، وقد يكون بصدد إنشاء مضمون تلك الجملة فتسمّى جملة إنشائية ، ومعلوم أنّ ما نحن فيه من القسم الثاني . الثاني : أنّه لا شكّ في أنّ مفاهيم أجزاء الجمل ؛ تامّة كانت أو ناقصة ، اسمية أو فعلية ، خبرية أو إنشائية ، ما عدا الحروف التي فيها وهيئاتها مفاهيم بسيطة مستقلّة في الأذهان غير مرتبطة بعضها ببعض ، فلو لم توجد بينها بواسطة الحروف والهيئات تلك النسب والارتباطات كانت أمورا متباينة دائما ، كلّ واحدة أجنبية عن الأخرى ، فكيف يتحقّق ويتشكّل منها كلام ؛ لأنّ الكلام لا بدّ أن تكون أجزاؤه مرتبطا بعضها ببعض ؟ ! وفيه : أنّ المفاهيم المذكورة - كما بيّناه في الجواب عن الوجه الأوّل - لا تتصوّر غير مرتبطة بعضها ببعض ، بل المتكلّم حين ما يريد إلقاء جملة على الطرف لا بدّ وأن يتصوّر مفاد تلك الجملة أوّلا ، ثمّ ينشئ الألفاظ على طبق تلك الجملة الذهنية . ولا شكّ في أنّ الجملة الذهنية لا تتحقّق إلّا بوجود رابط بين أجزائها الذهنية . نعم ، كما أنّ الربط الخارجي بين الأعراض الخارجية وموضوعاتها قائم